لماذا الروية اليابانية
في عام ١٩٦٨م، قلدت الأكاديمية الملكية في السويد جائزة نوبل للآداب، للروائي الياباني ياسوناري كاواباتا، وفي العام ١٩٩٤م كانت اليابان تحتفي بالروائي الثاني الذي يحصل على جائزة نوبل كينزابورو أوي.
لكن هل بالإمكان جعل ما سبق، هو السبب الذي يقف خلف هذا الاهتمام الذي يظهره كثير من الباحثين بالسرد والرواية في اليابان، هذا السيل الهادر لترجمة الروايات اليابانية إلى لغات العالم المختلفة عن لغة وسيطة مثل الانجليزية والفرنسية أو عن اللغة اليابانية الأم، أم أن هناك أسباباً أخرى أكثر منطقية ودلالة على سبب شهرة هذه الرواية التي تأتي من بلد شهير بالانغلاق على الذات حد الانعزال.
تستند الحضارة اليابانية إلى قاعدة متينة من الميراث الإنساني الهائل، وتاريخ السرد المحكي فيها يعود إلى وقت مبكر من تاريخها الكتابي، وبسبب التنوع والتباين الكبير في الأجناس الثقافية التي تكون ميراث كل واحدة من الجزر الأربع الكبرى في أرخبيل اليابان، فإن الإنتاج الأدبي يبدو واسعاً ويأخذ وقته الكامل في التحولات التي تطال كل جنس أدبي، سواء الشعر أو المسرح أو الرواية وهي ما يهمنا في هذا المقال، وعليه فإننا نستطيع أن نستكشف أحد الأسباب التي قد تفسر لنا أهمية الرواية اليابانية، فالخصوصية التي يحتلها مكان الأحداث المحكية تبدو بيئة مغايرة لمعظم بيئات الثقافات العالمية، وكأن يد العولمة لم تطلها، بينما واقع الحياة اليابانية الظاهرة لا يوحي بذلك، وهنا تكمن نقطة قوة الرواية اليابانية، فالشخوص ينتمون في الغالب لأزمنة يابان الشنتو والإمبراطور الإله، الساموراي والبوشيدو، الشرف والأخلاق وطريق الكامي الكامن في نفس الياباني، وهو ما يبدو متناقضاً في الوهلة الأولى، عندما تقرأ رواية يبدو فيها وصف الأماكن لا يختلف عن أي مكان في العالم.
هناك أيضاً ذلك الالتقاط المرهف في الرواية اليابانية لأدق التفاصيل الصغيرة في مسار الحياة العادي والاحتفال به، فالجلوس لشرب إبريق من الشاي، يتحول إلى طقس له قيمته ومعانيه الدقيقة ومراسيمه التي يجب أن تنفذ بدقة وإتقان لا تختلف عن الدقة والإتقان التي يعرفها الكل عن الصناعة الآلية اليابانية، وهو ما يفسر لنا كيف يمكن أن تتحول الأحداث الهشة البسيطة ظاهرياً إلى حدث يعتمد عليه الروائي الياباني في صياغة روايته، وهو حقاً ما نراه في أدب مشيما، كاواباتا، موراكامي، وغيرهم، مضافاً إليها ذلك النفاذ المعري لدواخل النفس وهواجسها، لإنسان القرن العشرين الذي يعيش كوارث متعددة، يأتي على رأسها الاغتراب وانهيار القيم الاجتماعية والتراتب الأسري، وعلاقات الأبناء بآبائهم في مجتمع يقدس تلك العلاقات ويستمد صلابته منها.