اللجنة الثقافية- زكريا علي

يلاحظ المراقب لسلوكيات المجتمع الياباني وعاداته وتقاليده وجود تشابه خفي بينها وبين النسق العام للعادات والتقاليد في المجتمعات العربية، فالشعب الياباني مكون من خليط من الأعراق والإثنيات التي كانت تستوطن الريف، تسيطر عليها قيم المجتمعات الزراعية التي تطبع رؤيتهم للكون والناس ومظاهر الحياة من حولهم، وهذه القيم بطبيعتها ذات منحى غيبي طقوسي، وتدفع حامليها إلى التكاتف مع بعضهم والتوجس من الغريب على الجماعة، وتقديس الأسرة والعائلة واحترام كبار السن وتعظيم الإمبراطور… وقد نجحت الدولة اليابانية في استبدال هذه القيم الريفية بالقيم المدنية والمواءمة بينها وبين المبادئ اليابانية الكبرى، وذلك عندما انتقل اليابانيون من الريف واستوطنوا المدن والحواضر، وانتشرت بينهم المبادئ والقيم الإنسانية من حب العمل والإنتاج، والتفاضل على أساس معايير العلم والكفاءة المهنية والإتقان في العمل، واحترام الآخرين بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم.

والمجتمعات العربية مكونة هي الأخرى من خليط من القبائل والأعراق والمذاهب، تنتظم في كيانات صغيرة تستوطن القرى والأرياف والسواحل والبادية.. وعندما استطاعت المجتمعات العربية أن تتحرر من الاستعمار وتحصل على استقلالها وتبدأ في عملية النهضة والتحديث، اصطدمت بجدار فولاذي من العادات والتقاليد البالية والمصحوبة بسلوكيات عشائرية وطائفية، ومما زاد الطين بله أن هذه العادات والسلوكيات قد ألبست لباس الدين زورا وبهتانا.. ولما كان الدخول في المعاصرة يستلزم ابتداءً نبذ كل الأفكار المتخلفة والتي ورثتها المجتمعات العربية من عصور الانحطاط، فإن المراقب للمجتمعات العربية يلحظ أن الانتقال إلى المدن وركوب السيارات واقتناء أحدث الأجهزة الالكترونية لم يساهم – إلا بشكل محدود – في تغيير طرائق التفكير عند الإنسان العربي وإحلال القيم المدنية مكان القيم البدائية والتي تساهم في تكوين الوعي الإنساني الحديث.

إن الموضوعية وفهم الواقع هما العاملان الوحيدان اللذان جعلا اليابانيين يتكيفون مع الحقائق الموجودة على الأرض إبان خسارتهم في الحرب العالمية الثانية، وجعلتهم يدركون أن لغة العقل في واقع كهذا تملي عليهم طريقة التعاطي مع عالم يحكمه قطب واحد اسمه أمريكا، وهما نفس العاملين – أعني الموضوعية وفهم الواقع – اللذان ساهما في اعتناق اليابانيين للقيم الإنسانية العالمية والتدرج في سلم الحضارة مع المواءمة – قدر الإمكان – بين هذه القيم العالمية وبين الموروث الثقافي لليابانيين، وذلك في صورة الشخصية اليابانية المتميزة ذات العراقة والأصالة والمتفاعلة في الوقت نفسه مع إيقاع العصر وروح الحداثة.

ومن المفارقات أن نهضة اليابان في عهد الميجي كانت معاصرة لحركة الإصلاح والتحديث في مصر في عهد محمد علي باشا، ولكن أين هي اليابان من مصر الآن؟! ويبدو أن العرب قد تفاعلوا مع إيقاع العصر بلغتهم الخاصة، فالمؤسسات المدنية التي يفترض أنها في خدمة المواطنين وحماية حقوقهم أصبحت مسرحا لأشد أنواع السلوك بدائية وتخلفا! ومن المؤسف أن الوعي العربي حتى اللحظة الراهنة لم يتخلص من معياريته وحكمه القيمي التي صورها الشهرستاني بقوله: (إن العرب والهند تميل إلى الاهتمام بخواص الأشياء وأحكام الماهيات والأمور الروحانية بينما يميل الروم والعجم إلى الاهتمام بطبائع الأشياء وأحكام الكيفيات والأمور الجسمانية) انتهى كلامه رحمه الله.