اللجنة الثقافية- زكريا علي

يزعم بعض علماء الآثار أن أول وجود لنشاط إنساني في الجزر اليابانية يعود إلى سنة  200,000 قبل الميلاد ولكن هناك شبه إجماع أن أقرب تاريخ بشري في اليابان يمتد إلى سنة 40,000 قبل الميلاد، واستنادا إلى الدراسات الأثرية فقد تم العثور على حفريات بشرية وسكانية تشير إلى رسوخ أنماط معينة من السلوك مثل الصيد وجمع الثمار وصنع الآلات والأدوات الحجرية… وتسمى هذه الفترة الممتدة إلى سنة 10,000 قبل الميلاد بفترة “الجومون”، حيث تمت فيها زراعة الأرز وظهر استخدام المعادن وصناعة الزجاج وخياطة المنسوجات، وتوافدت عناصر بشرية من أعراق مختلفة من شمال القارة الآسيوية وجزر المحيط الهندي، وتولد من احتكاكهم مع بعضهم البعض موروث ثقافي شعبي مثل “الشنتو” أو الأساطير وتقاليد الزواج والطرز المعمارية.

تعد الفترة من سنة 10,000 إلى 3,000 قبل الميلاد من الفترات المستقرة والمزدهرة في تاريخ اليابان القديمة وتسمى بفترة الثقافة الميزوليتية وهي ثقافة شعب “الأينو” – الأسلاف البعيدين لسكان اليابان الأصليين – والتي تمتاز بانتشار صناعة التماثيل من الصلصال وتزيين السفن وصناعة الحبال المضفرة، وتزايدت أعداد الصيادين ممن أتقنوا استخدام الفخاخ والأقواس والأدوات الحجرية، إضافة إلى السباحين المهرة ممن احترفوا مهنة الغوص إلى أعماق المياه، ومارس الناس حينها أشكالا بدائية من الزراعة وعاشوا في الكهوف وفي الحفر تحت الأرض وفي تجمعات سكنية فوق الأرض، مخلفين وراءهم منجما ضخما ومادة غزيرة للدراسات الأثرية الحديثة… تلت هذه الحقبة فترة ثقافية أخرى اصطلح بعض العلماء على تسميتها بفترة “اليايوي” تمتد من سنة 3000 قبل الميلاد إلى سنة 250 للميلاد، حيث انتشرت صناعة الفخار والأجراس الاحتفالية والمرايا والأدوات الزراعية والأسلحة… وبحلول القرن الأول الميلادي ازداد عدد السكان وأصبح المجتمع أكثر تعقيدا، حيث تكونت الطبقات الإقطاعية التي تراكم الثروة عن طريق ملكية الأراضي وتخزين الحبوب مكونة طبقات اجتماعية متمايزة تشبه تلك التي كانت موجودة في شمال ووسط الصين.

في وقت مبكر من تاريخ اليابان تمت السيطرة على المجتمع من خلال العشائر القوية التي تمكنت من إخضاع النخبة الحاكمة لرغباتها، ثم برز لاحقا خط ملكي قوي في القرن الثالث الميلادي من داخل العائلة الامبراطورية في ياماتو (محافظة نارا الآن أو منطقة أخرى في شمال كيوشو) يدعي أنه من نسل الآلهة التي خلقت اليابان!.. وتم تأسيس المحكمة الإمبراطورية لغرض سيطرة أفراد الأسرة على سلوكيات الإمبراطور، وبلغت المعرفة والثقافة درجة عالية من التطور خلال القرنين الثامن والثاني عشر أعقبها فترة طويلة من الفوضى والحرب الأهلية، حيث تنامى نفوذ الإقطاعيين من خلال التحالف مع العسكر وأصبحوا يحكمون المجتمع نيابة عن الإمبراطور وحاشيته، وفي خلال القرن السادس عشر بدأت عملية توحيد البلاد التي مزقتها الفتن والحروب، ثم تلتها فترة من الاستقرار والسلام إلا أن الاتصال مع العالم الخارجي كان محدودا ويخضع لسيطرة محكمة من قبل الحكومة… يذكر الكاتب الياباني “كتاباتاك تشيكافوسا” في كتابه (وقائع الملوك أصحاب النسب الإلهي المباشر) أن اليابان وإن كانت قد تأخرت نسبيا في الولوج في عملية التقدم والتحديث مقارنة بمحيطها الآسيوي وذلك نتيجة للموروث الثقافي الكبير المنحدر من العصور القديمة، إلا أنها استطاعت استيعاب المدنية الحديثة من دون أن تفقد شخصيتها الاعتبارية التي تميزها من بين أمم العالم.