تقرير مفصل لـهدى الدغفق” الوطن”
الرياض: هدى الدغفق
ما الذي يجعل فتاة في عمر الزهور مثل سامية الأحمد تصرّ على الاهتمام حد الشغف بالتراث الياباني وتواظب على تفاصيله منذ عام ألفين وثمانية؛ فتقرأ كتباً في هذا المجال وتلتزم بالبروتوكول الياباني في عبارات التحية والسلام والمجاملة؟!. وما الذي يدفع بعبد الرحمن الشميمري لأن يتعلم اليابانية ويجمع عنها ما استطاع من كتب؟!. بل ما الذي يجعل ماهر العتيبي وزملاءه يمضون قدماً في مشروعهم التطوعي (ساكورا المملكة)؟!.
المراقبون يرون أن الأهمّ من ذلك كلّه، هذا الوعي المبشر عند الشباب السعودي من الجيل الجديد، وهو يجاوز التطوع الاجتماعي إلى التطوع الثقافي، وبجهود فرديّة يستغلون أوقاتهم، ويطوّعون وسائل التقنية الحديثة لخدمة المشروع الإنساني الواحد بين ثقافتين.
(ساكورا)، تعني باليابانية زهرة الكرز، التي كانت منطلقا للتسمية، إذ ربط الشباب بينها وبين أزهار بلادهم في تباشيرها الأولى فكانت (ساكورا المملكة).
يروي لـ”الوطن” رئيس المجموعة ماهر العتيبي أن الفكرة نبعت من طول تأمله التراث الياباني التقليدي؛ فأقنع زملاءه بالتسمية التي فاضل بها بين تسمياتٍ أخرى، مورداً أن لفظة “ساكورا” بطبيعتها مدعاة للتساؤل في السعودية، كما أن لفظة المملكة تلفت اليابانيين فيسألون عن هذه المملكة، وبالمحصلة فإن الهدف يتحقق بين البلدين في جذب الانتباه والتعريف بهدف المشروع، عن طريقنا، مضيفاً بفرح: “إحنا أزهار المملكة، مثل ما ساكورا زهرة اليابانيين!”.
يضيف العتيبي الذي تخرج من جامعة الملك سعود في قسم اللغات والترجمة مرجعا الفكرة إلى خمس سنواتٍ من الدراسة والعيش مع اليابانيين: المشروع يهدف إلى دمج الشباب السعودي والياباني في العمل التطوعي الثقافي ورعاية المواهب الموزعة التي يشعر أصحابها أنها لم تجد من يرعاها حتى انضموا بها إلى مشروع ساكورا المملكة.
حصل العتيبي على المركز الأول في المستوى الثالث من دراسته ما دفع السفارة اليابانية إلى منحه شهرين في اليابان قبيل تخرجه، فعاد والفكرة تختمر في رأسه، وهو مصمم على إكمال دراسته العليا عن طريق برنامج خادم الحرمين الشريفين للبعثات، خصوصاً بعد تخرجه هذا العام.
تتكون المجموعة من 20 شابة وشابا سعوديا، ويأمل العتيبي أن يؤسس فرعاً للمجموعة في اليابان مستقبلاً، حيث للمجموعة فروع أخرى في الجبيل وجدّة. ويعلل العتيبي سبب تركز النشاط في الرياض، بكثرة أعضاء ساكورا المملكة في العاصمة، علاوةً على أنّ الفكرة نشأت أساساً في الرياض.
عضو المجموعة رئيس اللجنة الثقافية (محمد الظفيري) الذي أحب الرسم بالمانجا منذ نعومة أظفاره (9 سنوات)، ما دفعه للتخصص في اللغة اليابانية بجامعة الملك سعود وهو على وشك التخرج. يقول الظفيري إنه استمد ثقافة الرسم الكارتوني من الكتب الأمريكية المصوّرة، مثل سوبرمان وسبيدر مان، وتخصص في رسم المانجا والإنيميشن، وأضاف أنّ الفرق بين المانجا والإنيميشن هو في القصّة، حيث المانجا في فلسفة اليابانيين تعني القصص المصوّرة، وزاد من حصيلة المفردة اليابانية لدى الظفيري دراسته لليابانية التي أفادته كثيراً، وقد ساعده أساتذته في إتقان اللغة عدا احتكاكه مع اليابانيين أنفسهم.
الظفيري بيّن سبب تفضيله اللغة اليابانية على غيرها كونها ما تزال جديدةً على العالم بعامة، كما أن تقنيتهم وابتكاراتهم العلمية جعلته مأخوذاً بها، وبإنسانيتهم ومرحهم وحبهم للمرح والبهجة وأسلوبهم الحياتي المنظم قبل أن يكونوا مبدعين في التكنولوجيا وتصديرها، فصمم على دراستها، وعلى هذا الأساس فهو سعيد جداًَ بانضمامه إلى ساكورا المملكة وإفادته زملاءه نظراً لإتقانه هذا اللغة.
ويشعر الظفيري بالفخر بعد إكماله مشواره وإقناعه أهله بتقبل هذه اللغة الجديدة، مبيناً أنه واجه صعوبات في البداية في ذلك من المجتمع ككل، وهو يوجه نصيحةً إلى الشباب السعودي أن يجدوا في ما يفضلون ويتخذوا من الرغبة في التخصص أساساً في حياتهم المقبلة.
أما المتخصص في اللغة الإنجليزية حسن الراشدي، فيواصل من خلال مدونته على (النت) منذ ثلاث سنوات نشر الثقافة اليابانية لدينا، وبالمقابل فإنّ الراشدي يبعث برسائل تعرف بالأدب السعودي ويقوم بالترجمة وسيطاً في ذلك.
الراشدي يرجع سبب تعلقه بالثقافة اليابانية إلى مشاهدته عرضاً للساموراي عام 2002 يتناول قصة قبائل الساموراي التي تمثل الثقافة التقليدية ومناهضتها الحكومة اليابانية التي تسعى إلى التطوير والتجديد. وفي مقاربة له عندنا في المملكة يقول إن ذلك يشبه إلى حد قريب ما يحدث في مجتمعنا السعودي من نقاش يصل حد رفض التجديد والتطوير في المجتمع بسبب متطلبات العصر.
يقرأ الراشدي كثيراً في الرواية والشعر الياباني (الهايكو) ويذكر ذكريات فتاة الجيشا مثالاً على الأدب الياباني، ويقول: إنّ مدونته كانت بتشجيع من الياباني محمد سايتو صاحب موقع ياباني مشهور، في أواخر 2007، وتعرف عليه في المملكة.
تضم المجموعة لجنة علمية مسؤولة عنها طالبة القانون سامية الأحمد (22 عاماً)، التي تقول: عام 2008، كانت اليابان ضيفة شرف في معرض الكتاب في الرياض، فتعرفت إلى المجموعة التي كانت مع الجناح الياباني، وقمت بتسجيل بياناتها واطلعت على كتب تعليم اللغة اليابانية، وألفت فيما بعد كتاب “اليابان بلاد الشمس المشرقة”، تناولت فيه، عاداتهم، والبروتوكول الياباني، والزي الياباني (الكيمونو)، وتشرح الأحمد معناه بأنه اللباس التقليدي في اليابان، ومن مميزاته أنه يعطي قوة ثبات للجسم ويحافظ على استقامته من خلال الحزام الذي يلف به، ويسمى “أوبي”، حيث يلبس الكيمونو في المناسبات الخاصة كالزواج والوفاة والاحتفالات الشعبية ومراسم احتفال الشاي، مع أنّ كيمونو النساء يختلف عن كيمونو الرجال عندهم.
وتابعت الأحمد: من عادات اليابانيين في بروتوكولهم أنه لا يجوز النقاش بصوت مرتفع، كما لا يجوز استخدام لغة الجسد وإشاراته، أو التلويح باليد، وخلافها. وتضيف أنها تعلمت من اليابانيين مهارات ونظام وحب العمل والإخلاص، بالإضافة إلى مبدأ “الكايزن” الذي يعني التغيير التدريجي نحو الأفضل.
وفي كتابها الذي ألفته عن اليابان وهو الإصدار الأول للمجموعة، تشرح الأحمد صفحة عن تجربة ساكورا المملكة في العمل الجماعي، وكيف أنها عملت بالنموذج الياباني في الإدارة، مبينةً أنّ السر الحقيقي وراء نجاح إدارتهم هو العمل بروح الجماعة، مبينةً أنّ ساكورا المملكة فيها تحويل للطاقات الفردية إلى أنشطة وأعمال جماعية، وختمت بالقول: جميعنا نشترك في صناعة الأفكار والقرار وبلورته على أرض الواقع.
مسؤول اللجنة الفنية في ساكورا المملكة عبدالرحمن الشميمري قال: إن رئيس المجموعة العتيبي طلب منه الانضمام إلى المجموعة بعد أن أحس بدافعيته وأن لديه ما يقدمه للمجموعة، مضيفاً أنّ الشبكة العنكبوتية تساعد على التقارب الثقافي بين الشعوب، وأضاف أنه يتقن أكثر من لغة، وأنّ أعضاء المجموعة يتوزعون بين الشباب والشابات السعوديات، ويقول الشميمري الذي تخرج من جامعة الملك سعود/ قسم الحيوان، عن تشابه بين الشعبين السعودي والياباني يتضح في حفاظهما على التقاليد والجذور الأصيلة، كما أن العائلة ما تزال متماسكةً بالرغم من العولمة والتطور الهائل الحاصل.