اللجنة الثقافية- زكريا علي

منذ فجر التاريخ وسنة التدافع والتنافس تتحكم بسلوك الكيانات البشرية كافة، صغيرة كانت أم كبيرة، متجاورة كانت أم متباعدة، فقيرة كانت أم غنية.. وهي في مآلها النهائي إنما تبغي الحفاظ على المكتسبات الموروثة وإثبات السيادة والمنعة، أو التوسع والهيمنة ومحاولة الحصول على مكتسبات جديدة، فهي ببساطة حلقة مفرغة لا تنتهي إشكالياتها إلا لتبدأ من جديد!.. والغرب الاستعماري سابقا – والمهيمن لاحقا – لم يكن يختلف في مسلكه هذا عن الامبراطوريات الغابرة في العصور القديمة مثل الاسكندر المقدوني والفراعنة وملوك بابل، وخلفائهم في السيادة وحكم الشعوب وغزو الممالك من أمثال أمراء المغول وأكاسرة الفرس وقياصرة الروم وبعض سلاطين المسلمين – في رأي كثير من المؤرخين – وغيرهم ممن تدفعهم إرادة الهيمنة وغرور السلطة والقوة العسكرية الضاربة لمحاولة السيطرة على شعوب الأرض طوعا أو كرها.

وإذا وضعنا كل ما ذكر جانبا واتفقنا على أن الغرب كان له تأثير مباشر في نهضة شعوب الشرق قاطبة، فإن الحالة اليابانية في لقائها الحضاري مع الغرب لا تختلف كثيرا عن حال اللقاء العربي مع الغربيين.. فلقد استيقظ العرب من سباتهم التاريخي الطويل على يد جحافل الجيوش الفرنسية في الحملة النابليونية على مصر كما استيقظ اليابانيون على أصوات المدافع الأمريكية في شاطئ أوراوا عام 1853م، واكتشفت الأمتان تخلفهما الشديد في مرآة الغرب المتحضر وعمق الهوة بين الغرب المتقدم والشرق المتأخر في ذلك الوقت. وكان من الطبيعي والحال كذلك أن يتم التعاطي مع المنجز الحضاري الغربي بإزدواجية تتغيا الاستفادة من منجزاته التقنية مع الابتعاد عن بيئته الثقافية خوفا من الذوبان الثقافي واستلاب الذات، ومن الملاحظ أن هذه الازدواجية هي الآلية المتبعة لدى كثير ممن اصطلح على تسميتهم ب”أقطاب المعجزة الآسيوية” من أمثال الرئيس السابق لجمهورية سنغافورة لي كوان يو “منظر القيم الآسيوية” والرئيس الأسبق لجمهورية الصين الشعبية ماوتسي تونغ “صاحب الكتاب الأحمر” والرئيس السابق لجمهورية ماليزيا مهاتير محمد “مطلق التصريحات النارية ضد الغربيين”.. وليس اليابانيون استثناء من ذلك، فالبرلماني السابق شنتاروا إيشيهارا قد أصدر كتابا بالمشاركة مع مدير سابق لشركة ” سوني أكيو” تحت عنوان (اليابان التي تستطيع أن تقول لا) يبشر فيه بقرب نهاية الحداثة الغربية، وقد انضم هذا البرلماني إلى حملة الدكتور مهاتير محمد ضد الغرب حينما شارك في إصدار كتاب يحمل توقيعهما بعنوان (صوت آسيا)، وقد صرح الدكتور مهاتير أن المنتصرين من الحرب العالمية الثانية عام 1945 م لا يزالون يحكمون العالم ويهيمنون على مقدرات الشعوب بنفس الطرق الاستعمارية القديمة ولكن بأساليب وأشكال جديدة!..

وعلى الرغم من وجود أصوات مضادة للتوجهات المعادية للغرب بين المثقفين الآسيويين عموما واليابانيين على وجه الخصوص، من أمثال المدير السابق لمركز الدراسات اليابانية الدولية تاكيشي أمهارا في كتابه (الفلسفة اليابانية للعالم السفلي) إلا أنه أكد أن العالم لم يعد يحتمل المغامرات التقنية والصناعية التي يقوم بها الغرب، إذ غدا العالم مهددا بالتلوث الإشعاعي والنفايات الصناعية. كل هذا يكشف لنا عن وضعية ثقافية ممانعة ومشابهة إلى حد كبير لوضعية الثقافة العربية في مواجهتها “المزدوجة” مع الغرب، والتي كان يصورها مجموعة من المثقفين العرب الكبار في كتب شهيرة من أمثال (مشكلات الحضارة) و (واقعنا المعاصر) و(ظلام من الغرب) ونقد الهيمنة الغربية تحت عنوان (الاستشراق والإمبريالية) والتنظير للسقوط الغربي الوشيك مثل (أمريكا: سقوط من الداخل)، إلا أن التأمل العميق لهذه الجهود الفكرية يكشف أن “نقد تجاوزات الآخر” كان على حساب السكوت عن “نقد أخطاء الذات”، وتحميل الغرب كل أوزار التخلف المدني والتهميش الحضاري للأمم العربية!.. ومع تشابه البدايات التاريخية لليقظة الحضارية في الأمتين اليابانية والعربية، والتشابه أيضا في منهجية الازدواج المتبعة في التعاطي مع المنجز الحضاري الغربي، وتباين الآراء أخيرا في تفسير النتائج التي انتهت إليها كل من التجربتين كحقائق ملموسة ومشاهدة على الأرض، يقفز إلى الذهن سؤال محير.. أين الخلل؟!.