حقوق المرأة في اليابان بعيون عربية
اللجنة الثقافية- زكريا علي
يتفق كثير من علماء التاريخ والمتخصصين في دراسة الأتنوغرافيا (علم خصائص الشعوب) أن البشرية لم تتفق على ظلم أحد – في التاريخ القديم – مثلما اتفقت على ظلم المرأة وهضم حقوقها الإنسانية، يستوي في ذلك شعوب أسيا وأفريقيا وأوروبا مع تفاوت في درجة الظلم ونوعيته والحجة التي تستخدم في تبرير ممارسته، خصوصا عندما يكون على صورة انتهاك صارخ لأبسط قواعد الآدمية!.. واليابان ليست استثناء من ذلك، إلا أن إطلالة المدنية الحديثة وعولمة ثقافة حقوق الإنسان قد أدت إلى وضعية إنسانية جديدة للمرأة تختلف اختلافا جوهريا عن وضعيات القرون الغابرة، ولقد كانت الاستجابة العربية لهذه الوضعية الكونية الجديدة على شكل جهود تأليفية وكتابات مستفيضة انتشرت بين المثقفين العرب في عصر النهضة، دبجتها يراع مفكرين مخلصين ورجال دين مستنيرين من أمثال الشيخ رفاعة الطهطاوي والشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده والأستاذ إسماعيل مظهر والعلامة الطاهر بن حداد…الخ. وارتفعت أصوات الانتلجنسيا العربية (النخبة المفكرة) داعية إلى ضرورة منح المرأة كافة الحقوق السياسية والإقتصادية واعتبارها إنسانة لها ذمة مالية مستقلة وأهلية شرعية معتبرة.
وإذا يممنا وجوهنا شطر اليابان وجدنا أن المرأة - وإلى ما قبل الحرب العالمية الأولى – محكومة بتسلط الأب في صغرها، ورقابة الأخ في شبابها، وقوامة الزوج بعد نكاحها، ووصاية الابن في كهولتها، فسلطة الأسرة قوية ومتمركزة حول الجنس الذكوري إلى حد يشبه مركزية الدولة المستبدة، وقد كانت الأعراف والتقاليد تبيح لأحد أقارب المرأة أن يبيعها في سوق النخاسة عند الحاجة أو يقوم بسفك دمها في حال الريبة!.. وعندما هبت رياح التغيير، كانت شريعة المواطنة ومبدأ سيادة القانون هما بوابة المرأة اليابانية إلى عالم الحرية والمساواة، وأصبحت المرأة تنافس الرجل الياباني في مجالات المعرفة والتعليم والصناعة، وصار مشهد النساء في المصانع والورش وخلف مقود سيارات الأجرة مشهدا مألوفا، وصولا إلى إدارات الشركات والمؤسسات التجارية وتقلد المناصب الحكومية الرفيعة.
وإن كانت النظرة العجلى للمجتمع الياباني توحي بوضعية للمرأة اليابانية تشبه إلى حد كبير وضعية المرأة الغربية، إلا أن التأمل العميق للمسألة النسوية في اليابان وتطوراتها تكشف للمتأمل مجموعة من المفارقات!.. فوفقا للبرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة “مقياس تمكين المرأة” والذي يعتبر مؤشرا للمشاركة النسائية في الحياة السياسية والاقتصادية، تحتل اليابان مرتبة متأخرة مقارنة بمثيلاتها من الدول المتقدمة من حيث تكافؤ الفرص بين الجنسين، وتمثل ثقافة الشركات المعروفة بكثرة مطالبها وتوقعاتها عقبة كبيرة أمام تقدم النساء، إذ تُظهر الإحصاءات الحكومية أن الكثير من النساء يضطررن لترك مهن الإدارة والتسيير عندما يبلغن أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات من أعمارهن ويصبح لهن أطفال، وعلى الرغم من التعديلات المتكررة التي أدخلت على قانون تكافؤ فرص العمل الذي تم اعتماده في السبعينات إلا أنه لا ينص على عقوبة واضحة للمؤسسات التي تمارس التمييز بشكل سافر ضد النساء. ومع ذلك فإن المدافعين عن حقوق المرأة يصرون على أن واقع التقلص السكاني في اليابان سيفرض تغيرا في الآراء والمواقف في المستقبل القريب.
وبغض النظر عن كل ما يمكن أن يقال إزاء السجل الحقوقي للمرأة العربية (والذي يصعب مقارنته بالسجل الحقوقي لنظيرتها اليابانية) إلا أن العقل العربي يظل متسائلا عن الإكسير المناسب الذي يستطيع أن يوازن به بين طرفي المعادلة الحرجة – ثقافيا – بين المرأة الأنثى والمرأة الإنسان، أو بمعنى آخر؛ بين المرأة صاحبة المشاعر والأحاسيس وذات الرغبة في إظهار الوضاءة والجمال، وبين المرأة صاحبة المعارف والكفاءات المهنية والقادرة على تحقيق نهضة حقيقية في مجتمعها.. وما أصعبها من معادلة!.