زكريا علي- اللجنة الثقافية

تطالعنا الصحف العربية بين الحين والآخر بأخبار مزعجة جدا تحمل عناوين من مثل “طالب يقوم بتهميش زجاج سيارة  معلمه” “اعتداء مجموعة من الطلاب بالضرب على معلمهم” “طالبة تسب وتشتم معلمتها أمام زميلاتها” “قيام ولي أمر طالب بضرب وإيذاء المرشد الطلابي”… إلخ، مما ينذر بزوال هيبة صاحب هذه المهنة العظيمة.. ومما يزيد من تعقيد الصورة ومأساويتها؛ أن هناك تذمرا وسخطا بالغا يجهر به المعلمون والمعلمات نتيجة لتدني الأجور وسوء الأوضاع المعيشية، مما ساهم – بشكل غير مباشر – في التحاق المرتزقة وغير الأكفاء نتيجة لانخفاض سقف الشروط المهنية وانعدام المكافآت المغرية والحوافز التشجيعية، حتى غدت هذه المهنة كلأ مباحا لكل سائمة ترتع فيها كما شاءت!.

إن منزلة المعلم في اليابان تكاد أن تكون مقدسة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال النظرة الاجتماعية المرموقة لمكانته، وقد هيأ اليابانيون لوظيفة التعليم كل الأسباب التي تؤدي إلى احترام المعلم وتثبيت هيبته في النفوس.. فوظيفة المعلم تعتبر من أرقى المهن في اليابان، يتضح ذلك ابتداء من ارتفاع أجور المعلمين ومكافآتهم السنوية المتنوعة، ومرورا بكثرة متطلبات الالتحاق بالمهنة من الشروط العلمية والفكرية، وانتهاء بارتفاع سقف التوقعات المهنية سواء على مستوى المهارات الشخصية أو مستوى الجودة في الأداء التعليمي. وتعتبر نسبة التنافس على شغل وظيفة المعلم في اليابان شديدة جدا، إذ يتسابق عليها خريجو الجامعات من أصحاب الدرجات العالية، واستطاعت اليابان بذلك – كما يقول البعض – أن تجمع بين شعبية التعليم وأرستقراطيته العلمية، وذلك بجعل الهرم التربوي متاحا للجميع لتزويد سوق العمل بالكفاءات العلمية العاملة غير أنه اقتصر في قمته التعليمية على الأقلية المتميزة في قدراتها العلمية والقادرة على تخريج القيادات ومواجهة التحديات.

يبدأ وقت العمل للمعلم الياباني في الساعة الثامنة والنصف صباحا وينتهي في الخامسة مساء وذلك في جميع المراحل الدراسية، تتوزع ساعات العمل بين عمله الأساسي في التدريس، وعمله الإداري كعضو في لجنة من اللجان العديدة التي يمتلىء بها الدليل المدرسي في كل مدرسة، بالإضافة إلى الساعات التي يقضيها المعلم في المدرسة بعد انصراف الطلاب في العمل على الآلات في المختبر، والبحث عن أفكار جديدة والمشاركة في ورش العمل الدراسية، والقيام بالتخطيط لدروسه والتي تستهلك كثيرا من وقته وذلك بشكل منفرد أو بالمشاركة مع غيره من المعلمين، مع تخصيص جزء من وقته للتحدث مع الطلبة أثناء اليوم الدراسي.. ويقتطع المعلم الياباني جزءا من راتبه الشهري لاصطحاب طلابه إلى الينابيع الساخنة التي تشتهر بها اليابان وذلك في نهاية العام الدراسي لإضفاء جو من الفرح والمحبة بينه وبين طلابه.

لا يسع المنصف – عند اطلاعه على التراث العربي العريق – إلا أن يشيد بالتقاليد العلمية الصارمة التي تواضع عليها طلبة العلم في توقير العالم وإجلاله، وقد كانت للعلم قداسة عند العرب في العصور الوسطى تجعل لأهله منزلة تضاهي منزلة الملوك والسلاطين، وتخبرنا مدونات التاريخ عن عجائب وغرائب في صبر طلاب العلم على تحصيل المعرفة والارتحال إلى كبار العلماء السنين الطوال، وانتشرت بين الناس أدبيات وأقوال من مثل “من علمني حرفا صرت له عبدا” ومثل “بموت العالم يموت العالم” ومثل “العلم يرفع بيوتا لا عماد لها .. والجهل يهدم بيت العز والشرف” مما يوحي بشرف المعلم وعلو رتبته بين الناس، وبالنظر إلى حال العرب في تلك الأيام مقارنة بأيامنا؛ فإن المتأمل لا يسعه إلا الإقرار بصحة النظرية القائلة أن هناك ارتباطا عضويا بين منزلة المعلم وحضارة المجتمع الذي يحتضنه، وأن تلك العلاقة المركبة بين المعلم والمجتمع تتناسب عكسيا مع التخلف المدني والانحطاط الأخلاقي!.. ويبقى الأمل بعودة منزلة المعلم في بلاد بني يعرب إلى مكانته الأصيلة، ليصبح الشمعة التي تحترق لتضيء دروب الحضارة للبشرية من جديد، ولنردد معا بيت أمير الشعراء “أرأيت أشرف أو أجل من الذي …… يبني وينشئ أنفسا وعقولا