زكريا علي-اللجنة الثقافية

بادئ ذي بدء يجدر التنبيه إلى أن ثقافة المغامرة والمخاطرة وركوب الصعاب وتحمل المشاق في سبيل التجارة وكسب الرزق هي ثقافة عربية بامتياز، فالعرب قبل الإسلام اشتهروا برحلتين تجاريتين هما الرحلة في موسم الشتاء إلى اليمن والرحلة في موسم الصيف إلى الشام، والعربي نتيجة لعقليته التجارية الصرفة يرفض الانشغال بالمهن اليدوية والحرفية ويبغضها، ولم يكن لأهل الجزيرة العربية مورد للرزق – في القرون الغابرة – سوى احتراف التجارة أو الحروب والنهب!.. وانتشرت بين العرب بعد إسلامهم أدبيات دينية تحث على ممارسة التجارة من مثل “تسعة أعشار الرزق جعلها الله في التجارة” ومثل “التاجر الصدوق خير عند الله من القائم الصائم”، كما ظهر نمط من رجال الدين المسلمين ممن جمعوا بين الإمامة الدينية وممارسة التجارة، وقد كان لرحلات التجار العرب في العصور الوسطى أثر واضح في نشر الثقافة العربية الإسلامية في أصقاع الأرض.

هناك وصف أطلقه الاقتصادي السويدي جونار ميردال على الاقتصاديات الآسيوية في كتابه الصادر عام 1948 بعنوان (المأساة الآسيوية: دراسة لفهم أسباب فقر الأمم) وهناك وصف آخر أطلقه البنك الدولي عام 1993 لهذه الاقتصاديات بأنها (المعجزة الآسيوية)، وإذا أردنا أن تستقصي الأسباب التي جعلت “المأساة” تنقلب إلى “معجزة” لطال بنا المقام، ولكننا نستطيع استبطان بعضها من خلال قراءة سريعة لسجل الشركات اليابانية الكبرى “العمود الفقري للاقتصاد الياباني” وسنكتفي في هذه العجالة بنموذجين اثنين هما شركة هوندا وشركة توشيبا.

ففي عام 1938 اضطر “سوبر كايرو هوندا” أن يصل الليل بالنهار من أجل توفير الكمية المطلوبة من البستون لإحدى العملاء، إلا أن جهوده باءت بالفشل بعد القصف الجوي الأمريكي الذي حول مصنعه الصغير إلى رماد، وعندما قرت عينه ببنائه مرة أخرى كان زلزال مدمر قد حوله إلى أنقاض!. ولكن الرجل لم ييأس وعاد وأسس عام 1946 مختبرا تقنيا استخدمه لابتكار وصناعة المحركات البخارية على الداراجات الهوائية مستعينا بمخلفات الحرب، وعندما توقع الناس فشل تجارته نتيجة لشح الوقود بعد الحرب اخترع هوندا محركا يعمل على زيت النخيل ويخرج عادمه على هيئة دخان أبيض كثيف، وبعد صبر طويل وكفاح مرير على الصعوبات الكثيرة التي واجهته رحل هوندا عن الدنيا وقد خلف وراءه شركة عملاقة في مجال صناعة السيارات والدراجات النارية.

وعندما نتصفح تاريخ شركة توشيبا نجد أن للشركة إنجازات كثيرة في براءات الاختراع، ففي عام 1942 اخترعت الشركة جهاز الرادار، وفي عام 1954 اخترعت الآلة الحاسبة الرقمية، وفي عام 1959 اخترعت التلفاز ذي المحولات الصغرى وفرن الموجة القصيرة، وفي عام 1971 اخترعت هاتف الصور المتحركة….إلخ، ولا يمكن تفسير هذه القائمة الطويلة من الاختراعات إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن شركة توشيبا ملتزمة منذ فترة طويلة بأن تنفق نسبة 5% من أرباحها الإجمالية على البحث والتطوير لغرض اكتشاف منتجات جديدة أو تحسين منتجات قائمة، وتحتل توشيبا الآن المركز الأول عالميا في مجال إنتاج الحواسب المحمولة وأجهزة الإنتاج الإشعاعي إضافة إلى مجال إنتاج المصابيح النيون الطولية والدائرية.

يوجد في عالمنا العربي نماذج مشرفة للعمل الجاد والهمة العالية يمثلها كبار رجال الأعمال، فصاحب مجموعة “دلة البركة” التجارية كان يعمل في بداية حياته مراجعا حكوميا (معقب) في الصباح ويسهر في مطبعته الصغيرة التي أنشأها في المساء، وأحدهم كان يعمل مصححا صحفيا قبل أن يصبح مدرس رياضيات ومدقق حسابات ثم انتهى كفاحه المهني بإنشاء شركة ضخمة اسمها “سعودي أوجيه”، وصاحب مجموعة “العليان” التجارية كان عمله المتواضع في الترجمة وثقته الكبيرة بنفسه هما بوابته إلى عالم العقار والمقاولات، وحمال البضائع بأجرة بسيطة في الصباح والذي كان يبيع الخردوات بعد صلاة العصر أصبح في آخر حياته صاحب امبراطورية ضخمة للمال والصيرفة تحت اسم “مجموعة الراجحي”.. ومع اعتزازنا واحترامنا لمنجزات هؤلاء الأفذاذ وغيرهم في أرجاء الوطن العربي إلا أن المتأمل يرى افتقادها للرؤية الحضارية الشاملة التي تنتظمها في مشاريع تنموية متكاملة مما يجعلها مجرد جزر معزولة عن بعضها البعض، كما يرى افتقارها إلى مراكز البحث والتطوير التي تمكنها من منافسة قريناتها في العالم مما يجعلها فريسة سهلة لإشكاليات مبدأ الاستمرار والديمومة وثقافة القبيلة ومزايدات العائلة، إضافة إلى ضعف برامج التنمية المجتمعية التي تفرضها أخلاقيات المسؤولية الاجتماعية للشركات كما هو الحال في الشركات الكبيرة في اليابان والعالم المتحضر.