زكريا علي- اللجنة الثقافية

قد لا يعلم كثير من الناس أنه طوال فترة حكم الإمبراطور ميجي وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 سيطرت على نظام الحكم في اليابان النزعة العسكرية بالكامل في جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية، وكان هناك قمع منظم لكل الحركات الديمقراطية والانتفاضات الفلاحية وحركات التمرد والعصيان ضد السلطة المركزية، ووضع الامبراطور ومستشاروه مخططا طويل الأمد لتهجير سكان الريف وإلحاقهم بالجيش، فقد كانت الأولوية المطلقة هي المزيد من التسلح والتدريب العسكري استعدادا لشن حروب خاطفة!.. وكرد فعل طبيعي، ارتفعت أصوات التنديد بالحكم الاستبدادي المطلق في اليابان من قبل المناضلين من أجل تطبيق القواعد الأساسية للديمقراطية في اليابان والحد من صلاحيات الإمبراطور المطلقة، وكانت تضحياتهم كبيرة جدا فقد أودت بحياة الكثيرين منهم في ظل حكم الإمبراطور العسكري الإستبدادي.

يصنف كثير من الدارسين إصلاحات الميجي في خانة التأسيس لدولة رأسمالية احتكارية على النمط الغربي في مرحلة التنافس الحاد بين الإمبرياليات التي أشعلت حربين عالميتين، ونتيجة للمنافسة الحادة فيما بينها استطاعت الدولة اليابانية تطوير علومها العسكرية وتسليح جيشها بأحدث المعدات الحربية حتى أضحت أقوى دولة إمبريالية في جنوب وشرق آسيا، وكان شعار “التحديث في خدمة الجيش” يحظى بتأييد الإمبراطور والحكومة مما جعل قطاعات واسعة من الشباب يتحمس للمشاركة في حروب اليابان التوسعية.. غني عن الذكر أن هذه النزعة الشوفينية التوسعية قد قضت على كثير من إيجابيات النهضة الأولى ومهدت الطريق لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وخضوعها للاحتلال الأجنبي المباشر لأول مرة في تاريخها، لكنها خرجت من تلك التجربة وقد استوعبت دروسا مفيدة في مجال المجابهة الطويلة الأمد مع القوى العظمى، كان من أهمها تغيير الدستور لإقرار وضعيتها الجديدة كدولة مسالمة منزوعة السلاح، وإستبدال شعار التنمية القديم بشعار “التنمية في خدمة المجتمع” وشكلت نموذجا فريدا كتجربة تحديث ناجحة خارج المركزية الغربية.

إذا تأملنا الشاطئ العربي من المحيط إلى الخليج، نجد أن الدول العربية لم تكد تنال استقلالها حتى اجتاحت عواصمها ظاهرة الانقلابات العسكرية!. ففي عام 1936 قاد بكر صدقي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الانقلاب ضد النظام الملكي في العراق، ثم تبعه انقلاب حسني الزعيم قائد الجيش السوري على النظام في سوريا عام 1949، ونجح الضباط الأحرار في مصر بقيادة جمال عبدالناصر من إزاحة حكم أسرة محمد علي باشا عام 1952، ثم جاء بعد مصر مباشرة أول انقلاب عسكري في السودان قاده إبراهيم عبود عام 1958، وفي عام 1962 أطاح الضباط اليمنيون بقيادة عبدالله السلال بحكم الأئمة بعدما حكم اليمن لأكثر من مئتي سنة، وتمكن ضباط جبهة التحرير في الجزائر بقيادة هواري بومدين من الاستيلاء على مقاليد الحكم بعد سنتين فقط من إجلاء المستعمر الفرنسي عام 1965، ثم جاء بعد ذلك الانقلاب الوحيد في ليبيا عام 1969 الذي قاده صغار الضباط بقيادة العقيد معمر القذافي.. حولت هذه الانقلابات أغلب أنظمة الحكم في الدول العربية إلى أنظمة مستبدة لا تعترف بالمؤسسات المدنية ولا تسمح بها، كما حظرت الأحزاب والنقابات وحرية التعبير بأي شكل من الأشكال وأجلت المشاريع التنموية الطويلة الأمد إلى أجل غير مسمى تحت ذريعة الإستعداد لمواجهة العدو المتربص.. وبتأثير من نشوة السلطة وجنون العظمة، هدد بعض زعماء العرب برمي إسرائيل في البحر وإعادة القدس إلى ديار بني يعرب، وعلى الرغم من سياسات التقشف الاقتصادي (حتمية الحل الإشتراكي!) والتأميم والتسلح والتجنيد الإجباري بدعوى الدفاع عن الوطن؛ كان الرد الإسرائيلي سريعا ومزلزلا عام1967 – اصطلح على تسميته بعام النكسة – وذهبت جميع الدعاوى القومية والعنتريات العروبية وأحلام الوحدة أدراج الرياح!!..

قد يقول قائل أن هناك تشابها كبيرا في سمات الحكم العسكري المستبد في البلدان العربية ونظام الحكم الديكتاتوري في عصر الميجي ومن جاء بعده خلال النهضة اليابانية الأولى، إلا أن التأمل العميق يكشف أن الحكم العسكري في اليابان رغم استبداده كان يحرص أشد الحرص على الاستثمار في الإنسان الياباني.. فقد كان لدى الجهاز العسكري خبرة إدارية واسعة جعلته يستقطب آلاف الخبراء والتقنيين والأساتذة والعمال المهرة لكي يدربوا اليابانيين لسنوات طويلة، فقد كان الهدف الأساسي للإمبراطور وحكومة الشوغون (أي الحاكم العسكري) هو تحويل اليابان إلى دولة عصرية قوية تتعامل مع القوى العظمى على قدم المساواة وذلك من خلال حث الشعب الياباني على اكتساب العلوم والتقنيات الغربية الحديثة، وهذا على العكس تماما مما كان يحدث في البلدان العربية والتي كان قادتها العسكريون لا يمتلكون أية خبرة إدارية أو مدنية وإنما كان همهم الاكبر هو الحفاظ على السلطة وكرسي الحكم، وهم عندما قاموا بانقلاباتهم لم يكن لديهم أية خطة استراتيجية للنهوض بأحوال الشعوب التي أصبحوا يحكمونها!!.. وتخبرنا لغة الأرقام في تقارير المنظمات الدولية المتعلقة بوضعية الإنسان في العالم العربي بمستقبل بائس في كافة مجالات الحياة (البنى التحتية، التعليم، الصحة، الدخل، البطالة، الأسرة، حقوق المرأة، حرية الرأي، الفساد الإداري،البحث العلمي والترجمة والنشر….. إلخ) فهل كانت النكسة مجرد بداية لمسلسل نكسات طويل وليل بهيم؟!.. لك الله يا أمة محمد